أبي منصور الماتريدي
411
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ . أخبر أنهم يؤذون النبي ، ولم يبين بما كانوا يؤذونه ، فيحتمل : يؤذون النبي بتكذيبهم إياه ، وتركهم الإجابة له والطاعة فيما يدعوهم إليه . ويحتمل : يؤذونه بكلمات يسمعونه ، وطعن يطعنونه ، ويعيبون عليه وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ . قيل « 1 » : الأذن هو الذي يقبل العذر ممن اعتذر إليه ، ويسمع [ من كل أحد يعتذر إليه ويقبل ، وكذلك كان صلى اللّه عليه وسلم يقبل العذر ممن اعتذر إليه ويسمع ] « 2 » منه سواء كان له عذر أو لا عذر له ؛ لكرمه وشرفه ، وحسن خلقه ، فظن أولئك لما رأوه أنه كان يعاملهم معاملة أهل الكرم والشرف والمجد أنه إنما يعاملهم هذه المعاملة لسلامة قلبه ، وصغر همته ، وقصور يده ، وهم كانوا أهل كبر وأنفة ، قالوا : هو أذن ، نقول ما شئنا ثم نتخلف ونعتذر إليه فيصدقنا ، ويقبل عذرنا ؛ قال الله - تعالى - : قُلْ يا محمد أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ أي : الذي يقبل العذر ويسمع خير لكم من الذي لا يقبل ولا يسمع ، فكيف تؤذونه ، وتطعنون [ عليه ] « 3 » ، وتعيبونه ، ولا تصدقونه ولا تؤمنون به ؟ يخبر عن سفههم . قال أبو عوسجة « 4 » : الأذن : الذي من قال له شيئا ، أو حدثه حديثا ، صدقه واستمع منه ، وكذلك كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يصدق كل من قال له شيئا أو حدثه حديثا ، واستمع منه ؛ لكرمه ، وشرفه ، ومجده ، وحسن خلقه ، لا لما ظن أولئك . وقيل : يقولون : هو أذن ، أي : يسر في نفسه ويكتم ، ولا يكافئ من آذاه ، ولا يجازيه ؛ قال الله : قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ . وقال بعضهم « 5 » : يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ، أي : يصدق بالله بما ينزل عليه من آياته . وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ، أي : يصدقهم فيما بينهم من شهاداتهم ، وأيمانهم على حقوقهم ، وفروجهم ، وأموالهم . ويحتمل قوله : يؤمن بالله ويصدقه بما يخبره من سرّ المنافقين ، وما استكتمتوه منه من
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 16916 ) ( 16917 ) عن ابن عباس وقتادة بنحوه . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 406 ) ( 16918 ، 16919 ) عن مجاهد بنحوه . ( 5 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 406 ) ( 16921 ) عن ابن عباس . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 454 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ولأبي الشيخ عن الضحاك .